ما بين التصوّف والسياسة..!! بقلم ضياء الوكيل* (تحليل)

توقفت كثيرا أمام عبارة ( الصبر أفضل من الدخول في فوضى دموية وحرب أهلية، وألف سنة من الحوار أفضل من لحظة تبادل لإطلاق النار)،وهي جزء من حديث أدلى به السيّد الكاظمي لصحيفة الغارديان البريطانية، ولاهميتها سأضعها تحت مجهر التحليل وكالآتي:

أولا: إنّ هذه العبارات أقرب للصوفية منها إلى السياسة، والمسافة بينهما قدر التناقض والإشكالية التاريخية بين الأصول والتفاصيل التي يصعب تفسيرها لكثرة التأويلات والإجتهادات..

ثانيا: يمكن قبول تلك العبارت لو صدرت عن داعية للسلام وليس مسؤولا تنفيذيا يتعامل مع حقائق خطيرة على الأرض..

ثالثا: إن أصبح (الصبر والحوار ) هدفا وغاية فإنّهما سيقعان تحت رحمة أكثر الأطراف عنفا وتطرفا، وسيكونان سببا في الإنهيار، ووصفة لحرائق لاحقة، وستسفك الكثير من الدماء حيث يجب أن تصان..!!

في إعتقادي أن الصراحة والمصارحة والمكاشفة في القضايا المصيرية، أفضل وأكثر تأثيرا من إستخدام لغة التورية، واستعارة مفردات وقواميس أحرقتها الأحداث واستهلكها الزمن، وقد تُفَسّرُ عجزاً في موقفٍ يستلزم أن تظهر فيه قويا متماسكا أمام الجميع، إذ لا يمكن معالجة الجروح الغائرة العميقة بعسل فاسد، فربما يزيده التهابا وتلوثا وعفن، ومع ذلك فإنّ السيّد الكاظمي قدم لنا في هذا الحديث صورة مؤلمة عن المشهد المأساوي والخطير الذي يمرّ به العراق، وفي إعتقادي أنّه استخدم أسلوبا حاول خلاله التقليل من مستوى الصدمة وسواد الصورة، وكأنّه يقول هذا هو الوضع وهذه حدود إمكانياته ودوره، أمّا قصّة (الحبل والأفاعي والترويض والحوار ألف سنة) فهي ليست إلا تعبير عن حالة الإحباط، والشعور بالمرارة التي تعتريه، والتسليم لقدرٍ ومسار رسمه له الآخرون، وذلك أخطر ما في الحديث، وللأسف ما زالت أصوات التطرف والعناد مصرة على الرهانات الفاشلة، وأعلى من أصوات العقل والحكمة والإعتدال، وما زال البعض يحمّل الخريطة أكثر مما تحتمل، ويبرر  أكثر مما يعمل، ويستعين بالتوابيت بدلا من خطط الإصلاح والتغيير، وتلك المواقف تنذر بالأسوأ، وقد تقذف بالعراق الى خارج جغرافية المنطقة، وينتهي به الحال في متاحف التاريخ، وهذا المشهد يذكرني بعبارة قالها وزير الخارجية المصري في خطابه أمام مجلس الأمن الدولي عقب هزيمة الخامس من حزيران عام 1967 (إنّ الأمرَ جللْ والرجالُ صغارُ)..

*مستشار وناطق رسمي سابق للقوات المسلحة ووزارة الدفاع وعمليات بغداد ( 2012-2013)

شاهد أيضاً

إستشراف مبكر لعهد بايدن.. بقلم ضياء الوكيل*

سيلمس العالم في عهد بايدن، تغييرا واضحا في نبرة الخطاب السياسي، ولكن دون المساس بجوهر الإستراتيجية الأمريكية...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.