أزمة الإعلام المعاصر

د. مصطفى الفقي/ يلقى الجميع باللائمة على الإعلام ويحملونه مسئولية التدهور الثقافى والاجتماعى والارتباك السياسى وهذا صحيح فى جزء منه ولكنه ليس صحيحًا على إطلاقه

فالإعلام لا يتحمل وحده مسئولية ذلك وليس هو صانع الأحداث ولكنه مستقبل لها، معلق عليها، محاور فيها، إن العلاقة بين الإعلام وصانع القرار تبدو تمامًا كالعلاقة بين »المطبخ« و«حجرة المائدة« فالطهاة يصنعون الطعام ولكن الذين يتولون تقديمه هم فى هذه الحالة رجال الإعلام المرئى والمسموع والمقروء ولا يستطيع «النادل» أن يضع على «المائدة» شيئًا لا وجود له فى «المطبخ» ولكنه يستطيع أن يضعه فى مكان أفضل من غيره وأن يقدم طبقًا وأن يبعد آخر كيفما شاء وتلك فى الحقيقة هى خطورة مهمة الإعلام فى عالمنا المعاصر، فهو يختار الخبر الذى يركز عليه والموضوع الذى يستزيد فيه وهنا تكون عملية الانتقاء والاستبعاد فى حد ذاتها عملية تحكيمية قد يلعب «الميل السياسي» أو حتى «الهوى الشخصي» دورًا فيها ومن هنا تبدأ مسئولية الإعلام الوطنى فى أن يكون موضوعيًّا لا يحكمه إلا المصلحة العليا للوطن والرغبة فى تحقيق أقصى فائدة للبلاد، وليس ذلك يعنى أن يتستر على فساد أو يخشى استبدادًا وضميره الوطنى هو الفيصل خصوصًا فى بلد مازالت الأمية فيه أكثر من ثلاثين فى المائة فضلًا عن موروث ثقافى معقد وركام طويل من المعتقدات والتقاليد، ولعلى أفصح أكثر من خلال النقاط التالية:

أولًا : لقد قالوا «إن لكل زمان آية وآية هذا الزمان الصحافة» وأنا أضيف إلى ذلك أن الإعلام بكل وسائله من مظاهر الاتصال الحديث الناجم عن «تكنولوجيا» المعلومات قد أصبح قوة هائلة فى زماننا بحيث لم يعد فقط انعكاسًا للسياسات والمواقف ولكنه فى ظروف كثيرة أصبح صانعًا لها فهو الذى يقود الرأى العام ويوجه القوى السياسية والاجتماعية المختلفة فى اتجاهات متعددة، إن ذلك يعنى أننا أمام ظاهرة غير مسبوقة جعلت من العالم «قرية كونية» يستحيل فيها حجب المعلومات أو إخفاء الحقائق، فالمشهد بكامله مفتوح أمام الجميع خصوصًا فى ظل العصر «الالكتروني» وسيطرة «الانترنت»، لقد أصبح الإعلام قوة هائلة برع فيه الغرب بشكل ملحوظ ويكفى أن نتأمل إصرار الإعلام المعادى للإسلام على استخدام تعبير الدولة الإسلامية فى الإشارة إلى تنظيم «داعش» الإرهابى رغم أنهم يعلمون الحقائق ولكنهم يستطيعون إنكار الشمس عند اللزوم، وتلك خطورة الإعلام الذى تسيطر عليه عناصر تستهين بالعرب وتحقد على الإسلام وربما كان للجماعات اليهودية المرتبطة عالميًا بالثورة الإعلامية دور فى ذلك.

ثانيًا: إن انصراف الإعلام عن القضايا الأساسية وتركيزه على الفرعيات المثيرة والقصص التى ترضى فضول العاطلين مسئول مسئولية مباشرة عما يحدث لنا، هل أشار الإعلام إلى تطورات الموقف «الإيراني» فى الأسابيع الأخيرة والتحذير الذى أطلقه «المرشد العام» واصفًا «عاصفة الحزم» بأنها تحرك إجرامي،إننا أمام مشهد تختلف فيه الآراء وتكشف فيه «إيران» بشكل واضح عن رؤيتها وأهدافها ولقد أشار «رافسنجاني» مثلًا إلى أهمية «البحر الأحمر» و«باب المندب» ولم يتحدث عن «مضيق هرمز» ولكنه ذهب بعيدًا ليعتبر بلاده وصية على المستقبل العربى كله، إننى أجازف وأقول إن قوى الجوار الإقليمى فى غرب «آسيا» وهى «إيران» و«تركيا» و«إسرائيل» تتفق فى هدفٍ واحد وهو إضعاف العرب والسيطرة عليهم وإشعارهم بالعجز وكأنهم كما أقول دائمًا «مجموعة أيتام على مائدة اللئام» وهنا لا بد أن نلاحظ أن الإعلام مرآة للواقع يجب أن يعكس ما يراه دون تهويل أو تهوين كما أنه يجب أن يتصف بالعدالة والتوازن فى اختيار الأخبار وانتقاء الآراء لأن ولاءه فى النهاية هو للمستهلك مشاهدًا او قارئًا أو مستمعًا.

ثالثًا: إن الإعلام المصرى هو أقدم وأقوى إعلام فى المنطقة تاريخيًا ويكفى أن نتذكر أن إذاعة مصرية واحدة من القاهرة وهى «صوت العرب» قد سيطرت على العقل العربى فى خمسينيات و ستينيات القرن الماضي، وهذا الإعلام الموجة الذى استخدمته «مصر الناصرية» واستمرت بعدها الدولة المصرية على نهج الحشد الإعلامى فى القضايا القومية، إن هذا الإعلام يتحمل المسئولية الأولى قبل أجهزة الإعلام العربية الأخرى لأنه هو الذى صنع فلسفة الإعلام الموجه منذ خمسينيات القرن الماضى وقد لا تكون «مصر» أكثر الدول العربية «ديمقراطية» ولكنها بالتأكيد المصدر الأول لظاهرة «الرأى العام العربي» منها تنطلق الشرارة وتنتشر الفكرة ويسيطر اتجاه عربى عام يمضى معها لذلك فإننى أقول لإعلاميينا المصريين تنبهوا لهذه الحقيقة واعلموا أنكم ــــ شئتم أم أبيتم ــــ رواد فى هذا السياق، نقل الآخرون عنكم وتعلم الكثيرون منكم.

رابعًا: إن الإعلام العربى الجديد الذى تعد «قناة الجزيرة» نموذجًا له قد جرى توظيفه لخدمة أهداف سياسية معينة ومخططات إقليمية بذاتها وبذلك لعب الإعلام العربى الوافد دورًا كبيرًا فى تخريب العلاقات العربية العربية وتحويل الاهتمام إلى قضايا فرعية وخلافات قطرية وتبنى أجندات لا تخدم المستقبل العربى ولا تتمشى مع المصالح العليا للأمة، إننى أقول ذلك وأنا أدرك أن توجيه الاتهامات سهل ولكن تحقيق العلاجات هو الأمر الصعب فالإعلام فى النهاية يجب أن يكون متكاملًا من كل أطرافه بحيث يسمح لنا برؤية صادقة للمستقبل فى ظل ظروف دولية ملتبسة وأوضاع إقليمية معقدة.

خامسًا: لقد بدأت ظاهرة جديدة تندرج تحت جرائم النشر بل وجرائم الإعلام عمومًا وهى تلك التى تقوم على التشهير والابتزاز ولقد برعت فيها نوعية من غير الموهوبين فى بلاط «صاحبة الجلالة» أو المحطات الفضائية والإذاعية وهنا لابد من تشريع حاسم وسريع يضع الأمور فى نصابها بدلًا من أن يظل الأمر رهنًا بالتحولات والظروف دون أن تكون هناك قواعد قانونية عادلة تحول دون التجريح وتمنع البذاءة وتوقف سيل الافتراءات.

هذه ملاحظات ابتغينا منها أن ندق «ناقوس الخطر» حول أزمة الإعلام المعاصر دوليًا وعربيًا ومصريًا ونحن نقول دائمًا إن «مصر» هى القائدة والرائدة ولذلك فإن مسئوليتها على المستوى الإقليمى مسئولية كبيرة لأنها مسئولية الأكبر تجاه اشقائه فى غرب »آسيا« وشمال »افريقيا« و«جنوب الوادي».. إنها دائمًا المسئولية التاريخية للدولة المصرية! نقلا عن الأهرام

 

أضف تعليق

عدد التعليقات

شاهد أيضاً

لماذا سيفوز أردوغان في اسطنبول، وما هي التداعيات التي سيحملها هذا الفوز على الديمقراطية في تركيا؟؟ بقلم سونر جاغابتاي

لا يمكن لأردوغان أن يخسر اسطنبول. فارتقاؤه على مرّ السنوات من مكتب رئيس بلدية المدينة وصولاً إلى الرئاسة يُظهر لأي مدى تُعتبر اسطنبول ماكينة صنع العلامة السياسية في تركيا. بعبارة أخرى، إذا حافظ إمام أوغلو على فوزه، يمكن في النهاية لقائد «حزب الشعب الجمهوري» أن يشكّل تهديداً لأردوغان في الانتخابات الرئاسية المزمعة في عام 2023...!!