التودد إلى دول «مجلس التعاون الخليجي»: من الرياض إلى باريس إلى كامب ديفيد…

 سايمون هندرسون/ 7 أيار/مايو 2015

وسط موجة من الأخبار المتضاربة التي تتحدث عمّا يمكن أن تقدمه واشنطن لتهدئة مخاوف دول الخليج العربي حول الصفقة النووية المفترضة مع إيران، عُقدت في هذا الصدد قمة تحضيرية من نوع ما في الرياض في 5 أيار/مايو. وشارك فيها خمسة زعماء من دول «مجلس التعاون الخليجي» – المملكة العربية السعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة – بينما أرسلت سلطنة عُمان ممثلاً خاصاً عن السلطان قابوس الذي يعاني من مشاكل صحية في الآونة الأخيرة. وحضر اجتماع القمة أيضاً الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند كضيف شرف، وربما يعكس ذلك موقف فرنسا المتشدد تجاه المفاوضات النووية ودورها كمورد للأسلحة لدول الخليج. (على سبيل المثال، أعلنت قطر في الشهر الماضي عن توقيع اتفاقية لشراء طائرات مقاتلة فرنسية بقيمة 7 مليارات دولار).

ونظراً لأن اجتماع القمة في الرياض شكل فرصة لقادة دول الخليج للتعبير عن مخاوفهم من التطور الحالي للأوضاع في المنطقة، فهو يوفّر أدلة على البيانات العلنية التي قد تصدر من محادثات رؤساء دول الخليج مع الرئيس الأمريكي أوباما في كامب ديفيد في 13-14 أيار/مايو. وفي معظم النواحي، تجنب القادة توجيه انتقادات حادة لإيران على غرار تلك التي صدرت من العواصم الخليجية خلال الأشهر الأخيرة. كما تجنبوا تكرار عدم رضاهم من واشنطن، الناتج عن فشل الولايات المتحدة في معاقبة سوريا بسبب استخدامها الأسلحة الكيماوية، وعن قلقهم من أنّ الاتفاق مع إيران لن يؤدي سوى إلى تأكيد مكانة الجمهورية الإسلامية كدولة تمتلك رادعاَ نووياً عوضاً عن الحد من قدارتها. ولكن، بينما قد يفضل قادة دول الخليج على الأرجح استخدام محادثات كامب ديفيد للتأكيد على تحالفاتهم مع الولايات المتحدة بدلاً من توسيع خلافاتهم معها، سيكون هناك ثمناً معيناً لا بد لواشنطن أن تدفعه.

وفي نهاية اجتماع الرياض، أصدر الرئيس هولاند وعاهل السعودية الملك سلمان بياناً مشتركاً أكدا فيه على ضرورة التوصل “إلى اتفاق قوي ودائم ويمكن التحقق منه ولا جدال فيه وملزم مع إيران”، بحيث يضمن عدم “زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة أو تهديد أمن واستقرار الدول المجاورة لإيران”. إلا أن البيان الختامي للقمة نفسها عكس مجموعة واسعة من المخاوف كما أعطى أهمية أقل للملف النووي. ووفقاً لترتيب المواضيع التي بُحثت، تناول بيان القمة اليمن (سبع فقرات)، والقضية الفلسطينية (فقرة واحدة)، وسوريا (فقرتين)، والعراق/تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» [«داعش»] (فقرة واحدة)، وليبيا (فقرة واحدة)، والإرهاب (فقرة واحدة)، والعلاقات مع إيران (فقرة واحدة)، والمخاوف من إيران نووية (فقرة واحدة)، والخلاف المحتدم منذ فترة طويلة بشأن احتلال إيران لثلاث جزر تابعة للإمارات العربية المتحدة (فقرتين).

ولم يكن هناك أي إشارة إلى تورط إيران في سوريا أو العراق، ولا إلى دعمها للحوثيين، الذين يشكلون أهداف الحملة الجوية المستمرة التي تقودها السعودية في اليمن. وقد أكد قادة دول «مجلس التعاون الخليجي» [«المجلس»] أيضاً “الحرص على بناء علاقات متوازنة” مع إيران، في حين عبّروا عن قلقهم من نفوذ طهران الإقليمي وتطلعهم الى تأسيس علاقات طبيعية معها قوامها “احترام اسس ومبادئ حسن الجوار”. وحول القضية النووية، أعربوا عن أملهم في أن يؤدي الاتفاق الإطاري المبدئي إلى “اتفاق نهائي شامل يضمن سلمية البرنامج النووي الإيراني”.

ومن ناحية النقد اللاذع، كانت إسرائيل وسوريا الأهداف الوحيدة [التي تضمنها البيان الختامي]. وعلى الرغم من العديد من التقارير المتعلقة بتعميق الاتصالات بين إسرائيل والخليج بسبب المصالح المشتركة حول إيران، إلا أن قادة دول «المجلس» “أدانوا الاعتداءات الوحشية المتكررة التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلية والمتطرفون الإسرائيليون ضد المواطنين الفلسطينيين العزل، والمقدسات الدينية وأماكن العبادة”. وفي الشأن السوري، “أعرب قادة دول «مجلس التعاون الخليجي» عن بالغ قلقهم من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية للشعب السوري”، نتيجة لاستمرار نظام الأسد في “عمليات القتل والتدمير واستخدام الأسلحة الثقيلة والطيران والغاز السام ، مما نتج عنه قتل مئات الآلاف من السوريين وجرح وتشريد الملايين منهم”.

أما بالنسبة لكامب ديفيد، فقد ذكر البيان أن قادة دول «المجلس»  قد عبّروا “عن تطلعهم للقاء” الرئيس الأمريكي أوباما، “متمنين أن تسهم المباحثات في تعزيز العلاقات الوثيقة مع الولايات المتحـدة في ظل التطورات والأحداث الجارية ، وبما يعزز أمن واستقرار المنطقة”. ومثل هذا التأدب اللغوي يحجب التحدي الرئيسي الذي يواجهه الرئيس أوباما هذا الأسبوع وهو: كيفية الحصول على موافقة دول «مجلس التعاون الخليجي» حول التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، أو على الأقل تجنب الانتقاد العلني للضعف المتصوَّر للصفقة.

وخلال المحادثات الثنائية التي جرت في الرياض في 7 أيار/مايو 2015، ناقش وزير الخارجية الأمريكي جون كيري والقيادة السعودية، وفقاً لصياغة الرياض، “التدخلات الإيرانية السلبية في المنطقة؛ سواء كانت في لبنان، أو سوريا، أو العراق، أو اليمن، أو أماكن أخرى”. سيكون من المثير للانتباه رؤية المدى الذي تعكس فيه هذه الصياغة وجهات نظر دول الخليج الأخرى خلال مناقشات كيري مع وزراء خارجية دول «مجلس التعاون الخليجي» في باريس في 8 أيار/مايو. وهناك فروق دقيقة مهمة في وجهات النظر بين مختلف أعضاء دول «المجلس»، وهو ما سينعكس أيضاً في الشخصيات التي ستمثلها في كامب ديفيد.

المملكة العربية السعودية: [حتى العاشر من أيار/مايو، كان] السؤال الأكثر أهمية المطروح بالنسبة للمملكة هو فيما إذا كان الملك سلمان بن عبدالعزيز سيسافر إلى الولايات المتحدة للمشاركة في قمة كامب ديفيد، نظراً إلى صعوبة إجراء مثل هذه الرحلة لشخصية في سنّه وحالته الصحية. [ولكن أثناء ترجمة هذه المقالة]، ذكرت وكالة الأنباء السعودية أن الملك سلمان أناب ولي العهد الأمير محمد بن نايف لحضور قمة زعماء دول الخليج العربية مع الرئيس أوباما. وأعلن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أن الأمير محمد سيرأس وفد السعودية في المحادثات التي تقول مصادر أمريكية إنها ستركز على التعاون العسكري. وأضاف الجبير أن الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد ووزير الدفاع سيشارك أيضاً في اجتماع القمة.

الكويت: يؤدي الشيخ صباح الأحمد الصباح دور الوسيط في «مجلس التعاون الخليجي» بتفضيله المساومة على المواجهة. ولربما الأمر البالغ الأهمية هو أن الأمير محمد بن سلمان عقد محادثات فردية معه في الكويت في 6 أيار/مايو.

البحرين: من المرجح أن يحبذ الملك حمد بن عيسى آل خليفة فرصة عرض علاقته مع الولايات المتحدة ضمن إطار التعاون العسكري/الدبلوماسي بدلاً من انتقاد سجل حكومته في انتهاك حقوق الإنسان. ونظراً لأن غالبية سكان الجزيرة هم من المسلمين الشيعة، يدرك الملك حمد بشكل خاص التهديد الذي تطرحه تصرفات إيران وقدرتها على تكدير الأمور وإلحاق الأذى [بمملكته].

قطر: في العام الماضي، ظهر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بصفته القائد المشاغب في «مجلس التعاون الخليجي» لكنه استعاد روح التآزر ضمن قادة دول الخليج هذا العام. 

الإمارات العربية المتحدة: لا يتمكن رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان من القيام بمهامه حالياً، لكن أخيه الأصغر سناً الشيخ محمد بن زايد يعمل على تنسيق شؤون منصبه في «مجلس التعاون الخليجي». ويدرك هذا الأخير الأهمية العامة للحفاظ على علاقة وثيقة مع واشنطن، ولكن على النطاق الإقليمي يسعى إلى عقد شراكة مع الأمير محمد بن سلمان، وهو المهندس السعودي للحرب في اليمن، بينما تريد الولايات المتحدة إيجاد حل دبلوماسي لهذه القضية. وقد تثبت هذه الأهداف عدم توافقها.

عُمان: سلطنة عُمان هي الدخيلة من بين دول «مجلس التعاون الخليجي»، إذ تفضل التعامل مع إيران والبقاء خارج حملة التحالف في اليمن. والسلطان قابوس هو القائد الأكثر ترجيحاً للغياب من محادثات كامب ديفيد، كما أن الشخصية التي سيعيّنها لتمثيله قد تعتذر هي الأخرى عن عدم حضورها أيضاً.

وفيما يتعلق بجدول الأعمال الذي يمكن توقعه هذا الأسبوع، [هناك احتمال بأنه] إذا حافظت واشنطن على موقفها المتمثل بأن إيران ستكون أقل خطورة بوجود اتفاق نووي، فإن ذلك لن يؤدي سوى إلى تأكيد أسوأ مخاوف دول «مجلس التعاون الخليجي» حول التهديد الإيراني، والذي لا يمكن لأي اتفاق تسليح جديد مع الولايات المتحدة أن يعوّضه. بيد، وفقاً لتفكير زعماء دول الخليج، فهم قد يجدون في تقديم تعهد من قبل الرئيس أوباما يكون موجّهاً لهم شخصياً ويُختَم بمصافحة، ما يكفي لتخطّي الخلافات. وستجري المحادثات أيضاً في إطار يتمتع بخلفية رمزية لـ “محادثات كامب ديفيد” التي عَقدت فيها مصر وإسرائيل معاهدة سلام عام 1979. غير أنّ تعريف النجاح لهذه القمة سيتمثل على الأرجح في اتفاقية محدودة عوضاً عن معاهدة تاريخية. 

 

سايمون هندرسون هو زميل بيكر ومدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن.

 

أضف تعليق

عدد التعليقات

شاهد أيضاً

لماذا سيفوز أردوغان في اسطنبول، وما هي التداعيات التي سيحملها هذا الفوز على الديمقراطية في تركيا؟؟ بقلم سونر جاغابتاي

لا يمكن لأردوغان أن يخسر اسطنبول. فارتقاؤه على مرّ السنوات من مكتب رئيس بلدية المدينة وصولاً إلى الرئاسة يُظهر لأي مدى تُعتبر اسطنبول ماكينة صنع العلامة السياسية في تركيا. بعبارة أخرى، إذا حافظ إمام أوغلو على فوزه، يمكن في النهاية لقائد «حزب الشعب الجمهوري» أن يشكّل تهديداً لأردوغان في الانتخابات الرئاسية المزمعة في عام 2023...!!