“السرّ” من وراء مداهمة مكتب “درج”… بقلم حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني

تأخرنا نحو أسبوع في “درج” عن تقديم روايتنا عن مداهمة قوة من الدرك اللبناني مكتبنا في بيروت. لمستخدمي “درج” ولأصدقائه أن يعذرونا على هذا التأخير. احتاج الأمر أسبوعاً حتى نلملم الحكاية، ونهضم قصة لم يسبق أن اختبرنا مثلها. فأن تداهم قوة من “الشرعية اللبنانية” مكاتبنا، وأن يعقب ذلك بأقل من ساعة اتصال من وزير الإعلام في حكومة “الشرعية اللبنانية” يدين فيها المداهمة، فبين الفعلتين ما لم نألفه في أداء السلطة، وما لا نملك ما يسعفنا على تفسيره. أسبوع انقضى وسنقدم رواية غير استقصائية عما جرى.

ما يلح عليّ شخصياً أن أبدأ به القصة هو الربع ساعة التي تطلبها اقتيادي “مخفوراً” من المكتب في شارع القنطاري إلى ثكنة قوى الأمن الداخلي في فردان. تُلح علي لأنني اختبرت في هذا الوقت القصير كيف تشعر السلطة بنفسها حين يُتاح لها أن تُلقي القبض على مواطن. لم تكن مواجهة ولم أبدِ أي تردد في الاستجابة لطلبهم الذي اعتقدت أنه مرافقتهم إلى الثكنة. وكانوا يعرفون جيداً أنهم أمام رجل غير متهم بأي شيء.

قال الشرطي عليك أن تمشي بمحاذاتي تماماً، فيما وضع شرطي آخر يده على كتفي على نحو مشهدي. وبعدها بثوان قال الأول لزميله اتركه فـ”الرجل محترم” وليس متهماً بشيء، فيما أصر الثاني على استمراره ممسكاً بي. في حديقة المبنى كان رفاقهم منتشرين بأسلحتهم وجعبهم بما يوحي بأنهم في مطاردة بوليسية. خرجوا فجأة من وراء الأشجار التي تظللوا بها وراحوا ينظرون إلي بما يوحي بأنهم تفاجأوا بنجاح مهمتهم، فيما الرجل الممسك بكتفي يسعى جاهداً لاستدراجي إلى أن أقاوم يده التي راحت تُضاعف من إحكام “السيطرة على كتفي”. فيما كان موظف المبنى الضحية التي سبقتني إلى فظاظة رجال “الشرعية” اللبنانية، ذاك أنهم كبلوه قبل أن يصعدوا إلى المبنى.

في السيارة كرر قائد الدورية عبارة “أنني رجل محترم” لكنه مضطر إلى تكبيل يداي. لم يخل كلامه من نبرة تنطوي على رغبة في أن أقاوم طلبه، لكنني لم أفعل. كان مشهداً غرائبياً، فها أنا ذا، في سيارة الشرطة المُطلقة صوت بوقها التحذيري، أعبر شارع الحمرا، وأعاين عابرين أعرفهم ولا أعرفهم من خلف الزجاج الـ”مفيم”.

شاهدت أخي متوجهاً إلى مقهاه، ولا أدري لماذا شعرت بشوق كبير إليه.      

هذا المشهد هو أقوى ما في الحكاية، أو لنقل أهم ما فيها. فقصة المداهمة بدأت قبل أشهر عندما قدم “متضرر”، من تحقيق نشرناه في “درج” ضمن ملف “أوراق بنما” (وهو مشروع تحقيقات استقصائية يشرف عليه الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ودرج هو الشريك العربي فيه) دعوى قضائية ضدنا أمام القضاء المستعجل، وعندما رفضت قاضية الأمور المستعجلة الدعوى، عاد واستأنف أمام القضاء العادي. القضية انتهت عندما التقينا بالرجل وأبدى تفهماً وسعة وقرر أن يُسقط الدعوى. صاحب الدعوى المُسقطة هو رجل الأعمال اللبناني أيمن جمعة. وقصة دعواه انتهت عند هذه الحدود، وبقيت بعض اجراءات روتينية، كان رجال الشرطة يعرفون حدودها عندما دهموا مكاتبنا.

فشعور السلطة في بلادنا، حين تتجسد برجل أمن في مقابل مواطن، بميل انقضاضي على كرامات الناس لن تحدّ منه أصواتنا المرتفعة في وجهها. فضيحة زيادة عيتاني لم ينجم عنها أكثر من توقيف ضابط واحد، واقتحام مكتب “درج” سُوي باعتذار من وزير الداخلية. الشرطي ما زال يشعر بأنه لم يُخطىء، ذاك أن سلطة عميقة وغير عادلة مقيمة في وعيه بالمهمة المنوطة به.

قبل الدهم كان حضر عنصر من التحري إلى مكتبنا طالباً معرفة من هو “صاحب درج”. أبرز كتاباً موجهاً من مكتب جرائم المعلوماتية. المكتب الشهير بسمعته لجهة استدعاء الصحافيين، والذي كانت على رأسه المقدم سوزان الحاج، التي كانت خلف تلفيق تهمة العمالة للفنان زياد عيتاني.

لا أخفي أنني أصبت ببعض التوتر عندما أبرز لي عنصر التحري كتاب جهاز مكافحة جريمة المعلوماتية، فسوء التفاهم بين هذا الجهاز وبين الصحافة تم تتويجه بفضيحة مدوية اسمها قضية زياد عيتاني. لكنني لم أخرج عن حدود اللياقات في ردي عليه. قلت له إن معرفة هوية “صاحب درج” من المفترض أن لا تكون مهمة أمنية، ذاك أن نقرة على لوحة مفاتيح الكومبيوتر تكشف لكم من هو “صاحب درج”، فـ”درج” مسجل في وزارة الاقتصاد كمؤسسة تجارية، والمعلومات حوله متاحة لمن يرغب. أجبت رجل التحري بأنه من الممكن أن يتصل بمحامي “درج” وأن يأخذ منه المعلومات، لا سيما وأن التعامل القضائي مع الصحافيين يجب أن يتم عبر محكمة المطبوعات لا عبر جهاز أمني. وفضلت أن يتولى المحامي مهمة تحديد مدى قانونية التجاوب مع هذا الطلب الغريب بالنسبة لي.

بعد مغادرة التحري مكتبنا جرت المداهمة الكبرى. وبالنسبة لنا كان الدرس الفعلي هو ذلك المزاج الاستعراضي الذي جرت وفقه. قال الشرطي لزميلتنا عندما سألته من أنتم ومن هو القاضي الذي علينا مراجعته: “خليكي على مكتبك يا مدام، ولا تتدخلي بعملنا”. قال ذلك محركاً جسمه بما يوحي بأنه على استعداد لمواجهة جسدية.

الأمر فعلاً يحتاج إلى التوقف عنده بما يتجاوز القانون إلى مجالات علم النفس، فشعور السلطة في بلادنا، حين تتجسد برجل أمن في مقابل مواطن، بميل انقضاضي على كرامات الناس لن تحدّ منه أصواتنا المرتفعة في وجهها. فضيحة زيادة عيتاني لم ينجم عنها أكثر من توقيف ضابط واحد، واقتحام مكتب “درج” سُوي باعتذار من وزير الداخلية. الشرطي ما زال يشعر بأنه لم يُخطىء، ذاك أن سلطة عميقة وغير عادلة مقيمة في وعيه بالمهمة المنوطة به.

في الثكنة اختلف الأمر وتحول إلى محادثة ودودة مع الضابط، الذي ثبت أقوالي لجهة ما جرى مع رجل التحري، إلا أنه لم يسألني عن إسم “صاحب درج”. وهذا ما دفعني إلى السؤال عن سر الزيارة الصباحية التي سبقت المداهمة.  

أضف تعليق

عدد التعليقات

شاهد أيضاً

هل سننتظر أم نبادر..؟؟ بقلم ضياء الوكيل*

في ظل المشهد الحالي الذي يسافر فيه الشرق الأوسط من هاوية نحو أخرى لم يعد للمفاجأة قيمة في قاموس السياسة ولا أحد في منجى من الإعصار..!!