“الله والوطن والعائلة” و… فايزة أحمد!! بقلم حازم صاغيّة

في 1965 غنّت المطربة المصريّة فايزة أحمد أغنية ذاعت وانتشرت في مصر والعالم العربيّ. الكلمات كتبها مرسي جميل عزيز، والألحان لمحمّد الموجي. اسم الأغنية: بيت العزّ يا بيتنا.

الكلمات والألحان تتبارى في إبداء السعادة بالعائلة وبحياة يُفترض أنّها مثلى: فالمنزل العائليّ هو “بيت العزّ” و”بيت السعد” و”بيت الفرح” في آن معاً. وفي ذاك المنزل المحاط بالخضرة والأشجار المثمرة، تقيم “أجمل أيّامنا وأحلامنا وحكايات ليالينا”، حيث “اللقمة الحلوة تجمعنا وتشبّعنا وتكفّينا” و”الكلمة الحلوة تفرّحنا وتصبّحنا وتمسّينا”.

 

أمّا مَن ظنّ أنّ الستينات كانت عَقد الثورة على الأب وبيته، فعليه أن ينسى هذا المعنى الغربيّ البحت. فمطربتنا المصريّة آثرت الوفاء لتقليد في الغناء العربيّ يدور حول العائلة وأفرادها، تقليدٍ شاركت فيه هي نفسها حين غنّت لأمّها “ستّ الحبايب”، كما شارك فيه محمّد عبد الوهاب الذي غنّى لأخيه “خيّي خيّي”. وعندنا في لبنان، ضمّ الريف صوته إلى صوت المدينة، فأدلى وديع الصافي بدلوه ذاهباً بعيداً في استنطاق عالم وعظيّ وأبرشيّ: هكذا غنّى ابنَه، بل نصحه بأن يتزوّج ليلى “بنت ضيعتنا” وينأى بنفسه عن سلمى، ابنة المدينة، “المْعَـوّدي ع الرقص ليليّه”. أمّا في التقليد البدويّ، حيث الدم والقرابة فصل الخطاب، فبُحّ صوت ابنة العمّ وهي تغنّي لابن عمّها، الأسمر غالباً، والذي تربطها به علاقة لا يفارقها الالتباس.

لكنّ السعادة التي تتحقّق هنا، في هذه الربوع جميعاً، لا يربطها إلاّ العداء المستحكم باللذّة التي تؤتى من كسر العائلة والبيت، ومن الاعتداء على المُحرّم العائليّ والتحايُل على دمه الجامع المانع.

ولئن كانت تلك اللذّة شيطانيّةً تُخلّ بأنظمة الأشياء وتراتُبها، فإنّ هذه السعادة مصدرها ربّانيّ. إنّها تناهض الشيطان، ولا تكتم صلتها، ولو مداوَرةً والتفافاً، بالإيمان الصافي. والحال أنّ كلمة “الله” تتكرّر مرّات في كلّ مقطع من أغنية السعادة العائليّة هذه، بل “الله” هو الذي يفتتح كلّ مقطع ويقود خطاه، فـ

“الله الله الله الله على عشرتنا وعلى لَمِّتْنا حوالين بعضينا”.

وسعادةٌ ربّانيّة كهذه لا تطمئنّ إلى ذاتها وإلى دوامها إن لم تطرد الشيطان طرداً مطلقاً ونهائيّاً يسدّ عليه كلّ الأبواب والحيطان:

“ابعدْ يا شيطان، ابعدْ يا شيطان، ابعدْ يا شيطانْ

إن جيتْ من الباب هانردّ الباب ونعيش في أمانْ

وان جيت من الحيط حانسدّ الحيط بحجر صوانْ

ابعد يا شيطان، ابعد يا شيطان، ابعد يا شيطان”

واستحضار الشيطان سلباً، بقدر مساوٍ لاستحضار الله إيجاباً، إنّما هو بهدف إحكام طرده، تماماً كما أنّ استحضار الله مقصود منه تحكيم إملاءاته الضامنة للسعادة واستمرارها. فالشيطان هو صاحب الإغراء باللذّة التي تهدّد السعادة، بل هو رائد هذه النزعة الخبيثة والشرّيرة، يتسلّل إلينا من تحت الأرض ليخرّب إرادة الله التي تقيم في السماء ومنها تهبط علينا. إنّه، بعد كلّ حساب، مركز العتم الذي يقابل مركز النور والوضوح. إنّه “السيّد المُعتِم”، وفي العتم تحدث الرذيلة وتُنحَر الفضائل.

وتقليد طرد الأرواح الشريرة، شياطينَ كانت أم جِنّاً، من الجسد ومن المنزل، تقليد عريق. وفي حديث منسوب إلى الرسول أن “لا تجعلوا بيوتكم مقابر إنّ الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة”. فإذا صحّ هذا الحديث، بدت السورة المذكورة علاجاً مُقْتَرَحاً لطرد الشيطان. ولئن عُرفت بعض الفرق البروتستانتيّة في الولايات المتّحدة بنزاعها المُرّ مع الشيطان، والذي لا يُحسم بغير الحرق والاستئصال الجذريّ، ففي “البوتقة” خلّد أرثر ميلر هذه الممارسة استناداً إلى محاكمة “الساحرات” في بلدة سالم، في ماساتشوستس، أواخر القرن السابع عشر.  

لكنّ السعادة (الربّانيّة) تعلم في سرّها أنّها ضعيفة حيال إغراء اللذّة (الشيطانيّة). فـ “النفس أمّارة بالسوء” إسلاميّاً، أمّا مسيحيّاً فلا بدّ من معاناة الألم لتخليص البشريّة من براثن الشيطان. أوليس صلب المسيح النُصب الأعلى والأكمل في تخليد هذه المعاناة؟

ولأنّ السعادة ضعيفة حيال اللذّة، فما أن تحضر الأولى حتّى يصير محتّماً إحضار الثانية بقصد طردها وتبديد خطرها. وفي المقابل، فحين تحضر اللذّة، يحضر معها العقاب، ابتداءً من تناول التفّاحة الشهيرة وحتّى الضحك الذي نتساءل عن الضرر الذي سيصيبنا بعده!

هكذا، ما أن انتصرت الثورة الإيرانيّة في 1979، وبدأت المسيرة السعيدة نحو “ملء الأرض عدلاً” (وهو ما تتوِّجهُ عودة الإمام الغائب)، حتّى استُحضر شيطانان، لا واحد، أوّلهما كبير أميركيّ وثانيهما صغير إسرائيليّ، شيطانان لا يُضمَن إلاّ بطردهما، وبقتلهما إن أمكن، النصر النهائيّ للثورة السعيدة.

لكنّ “بيت العزّ” الذي وصفته فايزة أحمد لا ينهض فحسب على سعادة الله والعائلة الطاردة للشيطان ولذّته. فهي حين غنّت أغنيتها هذه في احتفالٍ امتلأت صفوفه الأولى ببعض رموز العهد الناصريّ، أضيف إلى الأغنية الأصليّة سطر يقول:

“الله الله على عروبتنا وعلى ريّسنا مجمَّع شَملِنا”

وهنا ضجّت القاعة مرّتين بتصفيق لم تحظ باقي الأغنية بمثله. فهنا ضُمّ “الوطن” (ممثّلاً بـ “عروبتنا” و”ريّسنا”) إلى ثنائيّ “الله” و”العائلة”، فبتنا أمام ثالوث من “الله والوطن والعائلة”. و”الوطن” حينذاك كان يطلب طرد الشيطان بإلحاح لا يقلّ عن الإلحاح الإلهيّ والعائليّ على طرده. ففي أواسط الستينات كان عبد الناصر قد أتمّ إرسال سبعين ألف جنديّ إلى اليمن حيث يَقتلون ويُقتلون. وكانت سياسة “عدم الانحياز” قد انتهت عمليّاً إلى معادلة تقول: نأتي بالسلاح من الاتّحاد السوفياتيّ وبالقمح من أميركا. وإلى مخابرات زكريّا محيي الدين وصلاح نصر التي كانت ثقيلة جدّاً على الصدور، كانت قد انقضت سنوات قليلة على “هزيمة الانفصال” السوريّ التي شكّلت الضربة القاصمة الأولى لعبد الناصر، وذلك قبل سنتين فحسب على هزيمة حزيران (يونيو) 1967 التي عُدّت الضربة القاصمة الثانية، وربّما القاضية.

هكذا كانت تتكاثر الشياطين التي تحلّق فوق رؤوس المصريّين، وأكثر منها كانت الشياطين التي “توسوس” في صدورهم وتدعوهم إلى اللذّة بعيداً عن السعادة الأبويّة البائسة.

فكأنّ أغنية فايزة أحمد، والحال هذه، حفرت “الله والوطن والعائلة” في قلب الإيديولوجيا العربيّة العريضة، وفي متن جناحها “التقدّميّ” تحديداً. وهي لئن تأخّرت ثلاثة عقود عن ولادة “حزب الكتائب اللبنانيّة” الذي رفع عالياً ثالوث “الله والوطن والعائلة”، بقدر من تزمين “الأب والابن والروح القدس”، فإنّها منحت هذا الثالوث قوّةً لا يملك مثلها حزب لبنانيّ متواضع القدرات. يكفي أنّ إذاعة “صوت العرب” كانت تُكثر بثّ أغنية فايزة أحمد مثلما غُنّيت في الاحتفال الذي كرّم “عروبتنا” و”ريّسنا”. أمّا عند جراميز “الكتائب اللبنانيّة”، فبقي الأمر كتابة على الحيطان بحبر ضعيف.

شاهد أيضاً

جنرالات وأشقاء.. بقلم سمير عطا الله*

لم يتعلم الإنسان أنه في الإمكان الوصول إلى اتفاق من دون إشعال حرب في سبيل الوصول إلى السلام، يسخر هواة الدماء والجثث من غاندي ومانديلا. آلة الحرب تدرّ مالاً وأوسمة وجاهاً. ويذهب الملايين إلى النسيان، كما هي عادة البشر منذ الأزل...