تقييم الجهود الأمريكية لمكافحة الإرهاب منذ أحداث ١١ سبتمبر… (اللفتنانت جنرال مايكل ك. ناغاتا، “الجيش الأمريكي”)

“في 10 تموز/يوليو، استضاف معهد واشنطن منتدى سياسي مع مايكل ناغاتا كجزء من سلسلة المحاضرات التي يقدمها المعهد حول مكافحة الإرهاب. وقد شغل ناغاتا منصب مدير التخطيط العملي الاستراتيجي في “المركز الوطني لمكافحة الإرهاب” منذ أيار/مايو 2016. وكان سابقاً “قائداً لقيادة العمليات الخاصة المركزية” (SOCCENT)، وشارك في أول عامين من العمليات القتالية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». وفيما يلي ملاحظاته المعدة مسبقاً.”

أودّ اليوم أن أبدي بعض الملاحظات حول حالة الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب، وأعرض وجهة نظري حول ما ستتطلبه مكافحة الإرهاب في المستقبل.

منذ ما يقرب من سبعة عشر عاماً، قامت الولايات المتحدة، بالتعاون مع عدد كبير من حلفائها وشركائها في جميع أنحاء العالم، ببذل جهود استثنائية واستثمار ثروات هائلة في مجال مكافحة الإرهاب بأشكاله المتعددة. وكما تعلمون جميعاً، انصبّ تركيزنا الأساسي على نوع التهديد الدولي الذي تشكله منظمات مثل تنظيمَي «القاعدة» و«الدولة الإسلامية».

وخلال هذه الفترة، أرسلت الولايات المتحدة بعضاً من أفضل ما لديها من أفراد وأشجعهم إلى أبعد المناطق في العالم لمحاربة المنظمات الإرهابية ووكلائها داخل ملاجئهم. وخلال هذه المسيرة، قمنا بتطوير مجموعة مذهلة تقريباً من القدرات الاستخباراتية والابتكارات التكتيكية والعملياتية والانجازات التكنولوجية عاماً بعد عام. ونتيجةً لذلك، يمكننا جميعاً، وعلينا أن نفتخر بكل ما تم إنجازه، ومن أهم ذلك أننا منعنا هجوماً إرهابياً كارثياً آخر على الأراضي الأمريكية، على غرار ما شهدته أمّتنا في ١١ أيلول/سبتمبر 2001. إننا نحزن بحقّ على أولئك الذين فقدناهم على طول الطريق، وما زلنا نسعى جاهدين لرعاية الجرحى ومن يعانون من إصاباتٍ بالغة في أطول حرب شهدتها أمريكا حتى الآن.

ومع ذلك، بعد قرابة عقدين من الزمن، ورغم كل ما ينبغي أن نفخر به بحق، فقد حان الوقت لنسأل أنفسنا بعض الأسئلة الصعبة ولكن الضرورية: على الرغم من القدرات التي قمنا بتطويرها والتقدم الذي حققناه، لماذا أصبح الإرهاب اليوم أكثر انتشاراً وتعقيداً مما كان عليه حين بدأنا؟ لماذا أثبت الإرهاب أنه قادر على الصمود والتكيّف بالرغم من نجاحاتنا ورغم الضغط والقوة المتواصلين اللذين نستخدمهما نحن والعالم للوقوف في وجهه؟ إنّ التقييم المنبّه والمستمد من “قاعدة بيانات الإرهاب العالمية” التي جمعها برنامج “ستارت” التابع لـ”جامعة ماريلاند” هو خير مثال عن أن الاتجاهات الأساسية للإرهاب بالرغم من جهودنا الكثيفة، أصبحت مثيرة جداً للقلق. فمنذ عام ٢٠١٠، ازداد عدد الوفيات المرتبط بالإرهاب في جميع أنحاء العالم بنسبة تزيد عن ٣٠٠ في المائة، كما ازداد عدد الهجمات الإرهابية مع ما يقترن بها من ضحايا بحوالي ٢٠٠ في المائة. وبمعزل عن ذلك، هنا في الولايات المتحدة، تجري السلطات الفدرالية المعنية بإنفاذ القانون حوالي ألف عملية تحقيق متصلة بالإرهاب في مجتمعاتنا المحلية في جميع الولايات الخمسين.

ولا أحاول الإيحاء بأن جهودنا ذهبت سُدى. فمجرّد واقع أن هجوم 11 سبتمبر لم يتكرر على أراضينا هو دليل واضح وإنجاز مهم. ومن الإنجازات الكبيرة أيضاً هو واقع أننا قد أحدثنا ثورةً في قدراتنا وممارساتنا عندما يتعلق الأمر بإلقاء الضوء على الزعماء الإرهابيين ومؤامراتهم ومهاجمتهم. ومع ما تقدّم ذكره، أودّ أن أشاطركم بعض الملاحظات التي تستوقفني، كممارس لللعمليات العسكرية على امتداد عدة عقود، واليوم كخبير استراتيجي مقره في واشنطن العاصمة، والتي ستجيب على هذه الأسئلة.

أولاً، أين كنّا منذ 11 سبتمبر؟

منذ أحداث 11 سبتمبر، توجّهت حصة الأسد من استثماراتنا في تطوير قدرات وإمكانيات جديدة لمكافحة الإرهاب، وفي المقام الأول نحو تحديد الهوية وإلقاء الضوء والاستهداف والتتبع، وكما نقول في عالم مكافحة الإرهاب، “القضاء” على الإرهابيين والمؤامرات الإرهابية. وقد انصب تركيزنا الأساسي، من الناحية التكتيكية والاستراتيجية، على تطوير القدرة على القضاء على الزعماء الإرهابيين والجنود المشاة، مع تحديد الخطط الهجومية الأكثر خطورةً وتعطيلها في الوقت نفسه. وقد أدى ذلك إلى خلق استثمارات استثنائية في القدرات الجديدة لمجتمع الاستخبارات، وإحداث ثورة في الشؤون العسكرية عندما يتعلق الأمر بمكافحة القوى غير النظامية والقوات المتمردة، وإنشاء وكالات فدرالية جديدة تماماً تركز على تقوية بنيتنا التحتية، والدفاع عن حدودنا، والتحقيق في التهديدات العنيفة والمتطرفة وتعطيلها، سواء داخل البلاد أو خارجها.

ثانياً، أين نحن اليوم؟

من ناحية، طوّرنا مهارات وخبرات هائلة في مجال مكافحة الإرهاب لا تزال تخدم أغراضنا جيداً في الوقت الحالي. وفي الآونة الأخيرة، عندما اجتاح تنظيم «الدولة الإسلامية» الساحة العالمية في عام ٢٠١٤، كانت الولايات المتحدة أكثر استعداداً وقدرةً على التصدي لهذا الكيان والبدء بهزيمته العسكرية ممّا كانت عليه قبل سبعة عشر عاماً.

من ناحية أخرى، ينبغي أن تكون حقيقة ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» فجأةً كمباغتة استراتيجية للولايات المتحدة، قبل أربع سنوات فقط، إدراكاً منبّهاً لنا جميعاً. إذ جعلت عدداً كبيراً من الخبراء داخل مجتمع مكافحة الإرهاب يدركون أنه رغم كل النجاحات التي حققناها، لا يزال التطرف المقترن بالعنف، في جميع أشكاله تقريباً، يتمتع بالمرونة [أي قادراً على الصمود].

وفي هذا الصدد، أود أن أقدم ثلاثة أمثلة للتشديد على حجم الإرهاب وقدراته ومرونته في الوقت الراهن:

أولاً – منذ أكثر من عقد، تولّيتُ قيادة فريق عمل يركز على المقاتلين الأجانب الذين انضموا إلى تنظيم «القاعدة في العراق». وأتذكر بوضوح أننا كنا نكافح للتعامل مع المقاتلين الذين بلغ مجموعهم المئات. ومنذ ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» في عام ٢٠١٤، تشير أفضل تقديراتنا إلى أن ما يزيد عن ٤٠ ألف فرد من المقاتلين الإرهابيين الأجانب قد توافدوا للانضمام إلى هذا التنظيم.

ثانياً – كان تنظيم «الدولة الإسلامية» رائداً في وضع الاستراتيجيات في مجالين على الأقل. الأول هو التسلح واستخدام أنظمة الطائرات بدون طيار المتاحة تجارياً وبأسعار معقولة. ومع ازدياد توفر التقنيات المقتدرة، مثل أنظمة الطائرات بدون طيار الرخيصة وذات الأسعار المعقولة، وإتاحتها بسهولة أكبر لأي شخص يمتلك بطاقة ائتمان، فلم تعُد القدرة على إحداث تأثيرات شديدة الفتك تعتمد على التدريب أو التخطيط أو الإعداد المركزي. أمّا المجال الثاني فهو أكثر خطورةً، ويتمثل في قيام الجماعة باستخدام مبتكر للدعاية عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي لتجنيد الأفراد وزرع التطرف في نفوسهم وتعبئتهم لممارسة العنف. ولم يعُد تجنيد إرهابيين جدد يعتمد بشكل أساسي على الاتصال الجسدي أو المباشر بين المجندين المحتملين والجهات المعنية بتجنيد الإرهابيين، كما لن يتطلب من المجندين الجدد تدريباً أو توجيهاً مكثفاً، نظراً لأن تنظيم «الدولة الإسلامية» يشجّع أتباعه على شن هجمات في أوطانهم باستخدام أساليب بسيطة وأسلحة سهلة المنال. وفي هذا السياق، تذكّروا سائق الشاحنة في نيس، فرنسا، في عام ٢٠١٦، الذي تمكّن من قتل وتشويه عدد كبير من الناس، مستخدماً الشاحنة التي ينقل فيها البضائع، بقدر ما كان يمكن أن يؤثره هجوم كبير بالعبوات الناسفة.

ثالثاً، كما يتذكر العديد منكم، خطرت لنا فكرة بعد حادثة ١١ سبتمبر مباشرة وهي أننا “سنلعب لعبة الخارج بشكلٍ رائع لدرجة أننا لن نضطرّ إلى اللعب في الداخل مرةً أخرى”. لكن بعد عشرين عاماً تقريباً، كان عليّ مواجهة الحقيقة المحزنة، وهي أنه على الرغم من جهودنا المثيرة والفعالة التي نبذلها في “لعبة الخارج”، أثبتت الحركة الشاملة للإرهاب والتطرف العنيف في نهاية المطاف قوتها ومرونتها ضد هجماتنا. واليوم، نحن نخوض نطاق غير مسبوق من الأنشطة المتطرفة العنيفة، على الصعيد الدولي ومع المتطرفين العنيفين الناشئين على الصعيد المحلي.

وعلى افتراض أن ما سبق ذكره هو تقدير دقيق إلى حد معقول، نواجه اليوم مسألة كيفية جعل أنفسنا وحلفائنا أكثر فعاليةً في تقليل حجم الإرهاب وقدرته وصموده. يجب أن نجد طريقةً للحفاظ على القدرة الحالية المذهلة على تعطيل الإرهاب بينما نعزز بشكل كبير قدرتنا على الحد من الإرهاب بجميع أشكاله – على الصعيد الدولي حيث يهدد مصالح الولايات المتحدة، وبصورة أكثر فعاليةً داخل حدودنا.

وعلى الرغم من أننا نحافظ على قدرتنا الهائلة فعلاً على مهاجمة الأنشطة الإرهابية التي تهدد مصالحنا وإعاقتها، فمن الضروري الآن أن تحوّل الولايات المتحدة المزيد من استثماراتها في الناس والقدرات نحو التصدي للإرهاب “غير الحركي”. وقد يبدو من غير المعتاد بعض الشيء بالنسبة لشخص مثلي مسؤول عن عمليات عسكرية خاصة أن يجادل على هذا النحو، ولكن مثلي مثل العديد من زملائي، أُجبِرت على مواجهة الواقع البسيط المتمثل في أن الهجوم على الإرهابيين لا يؤدي، في حد ذاته، إلى خلق استراتيجيةً دائمة النجاح في مواجهة الأعمال الارهابية. إنه أمر ضروري، لكنه غير كافٍ.

أنا لا أقترح أن نحدّ من استثماراتنا في ما حققناه بنجاح خلال السنوات السبعة عشر الماضية – أي إلقاء الضوء على الإرهابيين ومهاجمتهم بشكل فعال. كما أنني لا أقول أننا بحاجة إلى استثمار مكافئ لما تعهدنا به في التصدي للإرهاب “غير الحركي”. فالمنظمات، الحكومية منها وغير الحكومية، التي تسعى حالياً لمنع الإرهاب أو الأنشطة الإرهابية، تفتقر إلى القدرة الاستيعابية وفي بعض الحالات إلى المنهجيات التي أثبتت فعاليتها حالياً والتي يمكن أن تبرر مثل هذا النهج الاستثماري الهائل. بالإضافة إلى ذلك، أدركت الحكومة الفدرالية أنه يتعين عليها أن تدرس ملياً كيفية دعم برامج وأنشطة الوقاية أو تمويلها، لا سيّما فيما يتعلق بعزمنا على ضمان الحقوق المدنية والدستورية، والخصوصية الشخصية، والحريات السياسية، والمشاريع الحرة.

فما أقترحه هو ببساطة على النحو التالي: نحن بحاجة إلى حوار أكثر حيويةً – سواء داخل حكومتنا أو عبر مجتمعنا – حول مدى استعدادنا أو قدرتنا على زيادة استثماراتنا من حيث الموارد المالية والقوى العاملة والدعم الحقيقي في مجال السياسة لخمس مهمات على الأقل:

  1. أن نصبح أكثر فعالية في منع سفر الإرهابيين، على المستويين الدولي والمحلي؛
  2. أن نصبح أكثر فعالية في حرمان الإرهابيين من الموارد التي يحتاجونها لتنفيذ أيديولوجيتهم ونشرها؛
  3. أن نصبح أكثر فعالية في مواجهة استخدام الإرهابيين للإنترنت، سواء كنظام عالمي للقيادة والتحكم أو كأداة تطرف لا تنفك تزداد قوةً؛
  4. أن نصبح أكثر فعالية في اعتراض الإيديولوجيات الإرهابية، لا سيما في مجال تقديم بدائل أكثر جاذبيةً لأفكارها الإرهابية السامة؛ و
  5. أن نصبح أكثر فعالية في مساعدة المجتمعات المحلية والأسر على تحديد الأشخاص [والفئات] الأكثر عرضةً لتجنيد الإرهابيين وتمكين الجهات الفاعلة المحلية من منع هؤلاء الأفراد أو الجماعات أو “إبعادهم” عن هذا المسار من خلال تدريبهم على كيفية تلبية احتياجاتهم أو مظالمهم دون اللجوء إلى العنف.

ومن المهم أن أعترف بأن الآلاف من الأشخاص الاستثنائيين والمتفانين – داخل الحكومة وعلى مستوى المجتمع المدني – يسعون جاهدين للنجاح في جميع المجالات الخمسة في الوقت الحالي. ولسوء الحظ، لا يوجد ببساطة عدد كافٍ منهم، فهم يعانون عالمياً من نقص كبير في الموارد، والأهم من ذلك، سيستفيدون من الدعم المستمر والدائم للسياسات الذي تتمتع به المقاربات الحركية المتبعة لمكافحة الإرهاب حالياً.

وخلال السنوات السبعة عشر الماضية، شهدت عمليات تحديد الإرهابيين ومهاجمتهم وكشف مخططاتهم دعماً سياسياً جوهرياً وواضحاً. ولم تكن جميع محاولاتنا لتحديد مواقعهم أو مهاجمتهم ناجحة، ولكننا تعلمنا من كل خطأ ارتكبناه. وكنا على استعداد لاستيعاب هذه النكسات، والدفاع عنها علناً ضد الانتقادات المحلية والدولية على السواء، والمثابرة لأنه كان من الضروري أن نتعلم كيف نحقق النجاح.

فإذا أردنا أن ننجح على المستوى الاستراتيجي في المجالات الخمسة غير الحركية التي حددتُها، أعتقد أن الأمر سيستلزم التعهد المستدام ذاته. فنحن لا نعرف بعد جميع الوصفات، أو المناهج، أو المهارات، أو القدرات، أو النماذج التنظيمية الأنسب لتحقيق النجاح الاستراتيجي “غير الحركي”، ولن يكن من الممكن أن نتعلم كيف نكون على نفس القدر من النجاح في منع الإرهاب إلا من خلال ذلك النوع من التجارب القاسية التي كنا على استعداد لتحملها ذات مرة في رحلتنا “الحركية”. وسيحدد ذلك في النهاية ما إذا كان باستطاعتنا تعلّم كيفية منع تجنيد إرهابيين جدد، وإذا كنا قادرين على قتلهم أو القبض عليهم حالياً.

* ( مايكل ك. ناغاتا هو ضابط برتبة لواء في الجيش الأمريكي ومدير التخطيط التشغيلي الاستراتيجي في “المركز الوطني لمكافحة الإرهاب”).

أضف تعليق

عدد التعليقات

شاهد أيضاً

نتنياهو يزور سلطنة عُمان.. بقلم سايمون هندرسون*

Tweet في 25 تشرين الأول/أكتوبر، قام (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو) بزيارة [غير مُعلنة] إلى ...