لماذا سلّمت المغرب قاسم تاج الدين إلى الولايات المتحدة؟ (بقلم حنين غدّار و سارة فوير)

  

في 21 آذار/مارس، أكّد مسؤول أمني مغربي أن المملكة تخطط لترحيل رجل الأعمال اللبناني قاسم تاج الدين إلى الولايات المتحدة، بسبب العلاقات المالية التي تربطه بـ «حزب الله» كما يٌفترض، فضلاً عن تصنيفه من قبل “وزارة الخزانة الأمريكية” [على لائحة الارهاب]. وكان قد اعتُقل في الأسبوع الذي سبق في المغرب بينما كان في طريقه من غينيا إلى بيروت. وقد أخبر محاميه شبلي ملاط لكاتبيْ هذه السطور أن “وزارة العدل الأمريكية طلبت بالفعل تسليمه”، لكنه أنكر المزاعم التي تعتبر أن تاج الدين على صلة بأعمالٍ إرهابية. وأضاف: “في السنوات السبع الماضية، كان السيد تاج الدين ومستشاره الأمريكي يتواصلان علناً مع الحكومة الأمريكية، وبقيا يتعاونان جدّاً مع [“مكتب مراقبة الأصول الأجنبية” التابع لوزارة الخزانة الأمريكية]، بما في ذلك من خلال التزويد بأحدث المعلومات والمشاركة في إجراء رفع الأسماء من القائمة”.

ولم يؤكّد أيٌّ من المسؤولين المغاربة والأمريكيين أن الاعتقال جاء بناء على طلب الولايات المتحدة، لكن مثل هذا التعاون قد يكون متماشياً مع ظهور المغرب كشريك رئيسي في مكافحة الإرهاب في السنوات الأخيرة. ففي عام 2004، وسمت واشنطن المغرب رسميّاً بلقب “حليف رئيسي لا ينتمي إلى حلف شمال الأطلسي”، ومنذ عام 2008، قام البلَدان بمناورات عسكرية سنوية مشتركة تُدعى “الأسد الأفريقي”، وهي تجمع أكثر من 900 مغربي و1200 أمريكي للتدرّب على مكافحة الإرهاب ومجالات أخرى. وبالإضافة إلى ذلك، شاركت القوات الجوية المغربية في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، وعبّر المسؤولون الأمريكيون علناً عن تقديرهم للتدابير الأمنية المغربية المتخذة لعرقلة الأنشطة الإرهابية الخاصة بجماعات تابعة لتنظيم «القاعدة» في المملكة. وعلى الرغم من أن البلدين لا يشتركان في معاهدة لتسليم [المنخرطين في عمليات إجرامية]، إلا أن هناك “معاهدة المساعدة القانونية المتبادلة” النافذة منذ عام 1993، والتي تنص على التعاون الثنائي في المسائل الجنائية.

استهداف أبناء عائلة تاج الدين

عندما صنفت “وزارة الخزانة الأمريكية” تاج الدين في عام 2009، أشارت إليه بـ “مساهم مالي مهم” لـ «حزب الله». كما تم تصنيف شركته “تاجكو”؛ وقد اتهمته وزارة الخزانة باستخدام “عائدات من شركته لتوفير الدعم المالي بملايين الدولارات” لـ «حزب الله».

وفي عام 2010، صنّفت وزارة الخزانة الأمريكية  أيضاً شقيقيْ تاج الدين وشريكيْه في العمل، علي وحسين، بتهم مماثلة. فأشارت الوزارة إلى أن علي هو قائد سابق في «حزب الله» كان قد وفّر مبالغ نقدية للجماعة على شكل دفعات تصل قيمتها إلى مليون دولار. كما أنه جهة فاعلة مهمة في “جهاد البناء”، شركة بناء مقرها في لبنان، أنشأها ويشغّلها «حزب الله» وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد صنّفتها بشكل منفصل في عام 2007. أما أخوه الآخر حسين، فهو جامع تبرعات ومناصر بارز لـ «حزب الله» في غامبيا؛ وقد طُرد من تلك البلاد في وقت لاحق، وكان ذلك في عام 2015 بسبب هذه العلاقات المزعومة.

وتشمل الشركات التي يملكها أو يشغلها إخوان تاج الدين “تاجكو”، و “سوبر ماركت كايرابا”، و”كونغو فيوتشر”، و”أوفلاس ترايدنغ”، و”غولفرات هولندنغز”، و”غروبو أروسفران”. وتنشط هذه الشركات في غامبيا ولبنان وسيراليون وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأنغولا وجزر فرجن البريطانية.

ردود الفعل المحتملة لـ «حزب الله»

لم يذكر «حزب الله» شيئاً حتى الآن عن اعتقال تاج الدين، وربما سيمتنع عن أي رد فعل رسمي، بما أن الدفاع عنه علناً ​​أو مساعدته سيُعتبر دليلاً على ارتباطه بالحزب. إلا أن «حزب الله» قد يستخدم وسائل أخرى للضغط على السلطات المنخرطة في عملية تسليمه المحتملة، مثل تنظيم احتجاجات بشكل غير مباشر أمام السفارتين المغربية أو الأمريكية في لبنان. وقد سبق أن وجّه رئيس بلدية حناويه، مسقط رأس تاج الدين، إنذاراً مدته ثمانٍ وأربعون ساعة لإطلاق سراحه، مهدداً بالقيام بتظاهرات. وعلى الرغم من أن المتظاهرين سيلقون صعوبة في اختراق التدابير الأمنية الهائلة للسفارة الأمريكية، تبقى السفارة المغربية أكثر عرضة، لذلك فإن المظاهرات التي تنظم هناك يمكن أن تكون أكثر تهديداً.

كذلك، قد يتّخذ «حزب الله» خطوات أخرى، كما يتضح من الإجراءات السابقة ضد شركائه ومصالحه. فعلى سبيل المثال، بعد أن وقّعت الولايات المتحدة على “قانون حظر التمويل الدولي لـ «حزب الله»” في كانون الأول/ديسمبر 2015، أغلقت المصارف في لبنان ودول أخرى مئات الحسابات المرتبطة بالحزب. وبعد ستة أشهر، تم استهداف تفجيرٌ “بنك لبنان والمهجر” في بيروت. ورغم أن «حزب الله» لم يعلن مسؤوليته عن هذا الهجوم، إلا أن وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية في لبنان أشارا إلى أن هذا الحادث جاء نتيجة جهود “مصرف لبنان” للامتثال للعقوبات الأمريكية على الحزب.

وفي وقتٍ سابق، وتحديداً في عام 2015، اختُطف خمسة مواطنين تشيكيين في منطقة وادي البقاع التي يسيطر عليها «حزب الله» في لبنان. واتّضح أن السائق الذي اختفى مع التشيكيين هو شقيق علي فياض، مواطن لبناني اعتقل في براغ في العام الذي سبق وكان قد واجه [خطر] التسليم إلى الولايات المتحدة بتهمة محاولة بيع الأسلحة والكوكايين إلى عملاء سريين أمريكيين كانوا يتظاهرون أنهم إرهابيين كولومبيين. وبناء على ذلك، بدأ عدة مراقبين يعتبرون عملية الاختطاف بمثابة جهدٍ لتأمين إطلاق سراح فياض. ورغم أن «حزب الله» لم يعلن مسؤوليته علناً، إلا أن الحكومة التشيكية غيّرت موقفها على الفور بعد الاختطاف، ورفضت تسليم فياض إلى الولايات المتحدة. وفي شباط/فبراير 2016، أُعيد إلى لبنان؛ وفي اليوم نفسه، تم إطلاق سراح التشيكيين المخطوفين.

وبالمثل، قد يقرر الحزب الرد على اعتقال تاج الدين بطريقة أو بأخرى، من دون تبني المسؤولية أو الكشف عن أي صلة تربطه به أو بشركاته. فتاج الدين لا يقل أهميةً عن فياض بالنسبة إلى «حزب الله» – إذ أن اعتقاله قد يعقّد الشؤون المالية للجماعة في الوقت الذي تواجه فيه مشاكل مالية خطيرة وتغيّرات هامة في ميزانيتها. وبالإضافة إلى العائدات التي أمّنها تاج الدين إلى «حزب الله»، انخرطت مؤسسته “تاجكو” في عدد من المشاريع السكنية الواقعة في مناطق استراتيجية في لبنان. ويتطلّع «حزب الله» من خلال هذه المشاريع إلى ربط الجنوب ببيروت عبر المناطق السنية الساحلية، وربط الجنوب بالبقاع عبر المناطق السنية والمسيحية في البقاع الغربي، وأخيراً ربط البقاع بالساحل عبر المناطق الدرزية في قضاء الشوف. وعادةً ما تُقيم في هذه المساكن عائلات شيعية مستعدة للانتقال من الجنوب والبقاع والضاحية لأن الشقق الجديدة التي يتم توفيرها هي أقل كلفة.

وفي الوقت نفسه، كان السكّان المحليون في المناطق التي تقع فيها هذه المساكن قد اتّهموا «حزب الله» باستخدام المشاريع لفرض وجوده العسكري وتجنيد رجالٍ فقراء من السنة والمسيحيين الذين يعانون من البطالة في “سرايا المقاومة”، وهي ميليشيات غير شيعية أنشأها «حزب الله» لتنفيذ عمليات أمنية داخلية [والانخراط في] الاشتباكات. وفي آب/أغسطس الماضي، أطلق وزير الداخلية نهاد المشنوق على هذه الميليشيات الفرعية تسمية “سرايا الاحتلال”، معتبراً أن “جيشها القوي الذي يتألف من 50,000 عنصر” مخصص لتنفيذ “مهام محلية”.

حسابات المغرب

إن علاقات تاج الدين بـ «حزب الله»، وضمناً بإيران، قد تتيح للمغرب حافزاً كافياً للامتثال لطلب التسليم. وقد تذبذبت علاقات المملكة بطهران ووكلائها بين العداء والتطبيع الفاتر منذ عام 1979. ففي عام 1981، قطعت إيران علاقاتها مع الرباط في رد متأخر على قيام الملك الحسن الثاني بإعطاء حق اللجوء إلى الشاه الذي أُطيح من منصبه. وتراجعت حدة التوترات في منتصف التسعينات، حيث أنشأ البلدان علاقات اقتصادية ودبلوماسية. لكن في عام 2009، قطعت الرباط علاقاتها الدبلوماسية مع طهران، متّهمةً إياها بالسعي إلى جعل المغاربة يعتنقون المذهب الشيعي، ومستنكرةً تصريحات أدلاها مسؤول إيراني، مفادها أن مملكة البحرين السنية الزميلة كانت “محافظة إيرانية”. وأشارت البرقيات الدبلوماسية المسربة في وقت لاحق إلى أن المغرب اتّخذ هذه الخطوة بناءً على طلب المملكة العربية السعودية، التي انضمت في ذلك الوقت إلى دول «مجلس التعاون الخليجي» الأخرى للتعهد بتقديم خمسة مليارات دولار كمساعدة للرباط. ومهما كان الدافع، لم تتم استعادة العلاقات المغربية-الإيرانية إلى طبيعتها الرسمية حتى كانون الأول/ديسمبر 2016، بشرط امتناع إيران عن الدعوة إلى اعتناق المذهب الشيعي داخل المملكة كما أفادت لبعض التقارير.

وعلى الرغم من أنه لم يتضح بعد إذا سيتم تنفيذ عملية تسليم تاج الدين، تشير المصادر اللبنانية إلى أن اعتقاله سبق أن ولّد اضطراباً وخوفاً لدى العديد من رجال الأعمال الشيعة. وعندما تم توقيع “قانون حظر التمويل الدولي لـ «حزب الله»” في عام 2015، سببت موجة إغلاق الحسابات الناتجة عنه هلعاً بين الشركات والكيانات الأخرى المرتبطة بـ «حزب الله»، فقطعت بعضها علاقاتها المالية مع الحزب. ورغم تبدد هذا الخوف بعد بضعة أشهرٍ عندما لم يعد يُطلَب من المصارف إغلاق الحسابات، إلا أنه عاد ليظهر ثانية في أعقاب اعتقال تاج الدين. وتشتد هذه المشاعر بشكل خاص في الوقت الذي جرى فيه تصعيد كلامي في المواجهة بين الإدارة الأمريكية الجديدة وإيران و«حزب الله». وتسببت هذه التطورات مجتمعة في قيام مخاوف في صفوف العديد من رجال الأعمال الشيعة من إمكانية إلقاء القبض على أي شخص في أي مطار إذا كان مرتبطاً بـ «حزب الله».

وهذه المخاوف في مجتمع الأعمال هي أكثر ما يُزعج «حزب الله». فإذا أصبحت الشخصيات الشيعية الغنية تتردد في دعم الحزب، ستزداد هشاشة قاعدة دعمه الهشة أصلاً. وبالتالي، لن يكون ضمان تسليم تاج الدين إلا دليلاً مهمّاً على مصداقية واشنطن وجدّيّتها عندما يتعلق الأمر بكبح «حزب الله» وراعيه الإيراني. كما سيشير تسليمه إلى نية الولايات المتحدة في الاستمرار بملاحقة الإرهابيين المشتبه بهم بالتعاون مع حلفائها في المنطقة.

حنين غدار، صحفية وباحثة لبنانية مخضرمة، وزميلة زائرة في زمالة “فريدمان” الافتتاحية في معهد واشنطن. سارة فوير هي زميلة “سوريف” في المعهد.

أضف تعليق

عدد التعليقات

شاهد أيضاً

نتنياهو يزور سلطنة عُمان.. بقلم سايمون هندرسون*

Tweet في 25 تشرين الأول/أكتوبر، قام (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو) بزيارة [غير مُعلنة] إلى ...